ابراهيم بن عمر البقاعي
548
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
ولما ختمت غافر بأن الكفرة جادلوا في آيات اللّه بالباطل ، وفرحوا بما عندهم من علم ظاهر الحياة الدنيا ، وأنهم عند البأس انسلخوا عنه وتبرؤوا منه ورجعوا إلى ما جاءت به الرسل فلم يقبل منهم ، فعلم أن كل علم لم ينفع عند الشدة والبأس فليس بعلم ، بل الجهل خير منه ، وكان ذلك شاقا على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم خوفا من أن يكون آخر أمر أمته الهلاك ، مع الإصرار على الكفر إلى مجيء البأس ، وأن يكون أغلب أحواله صلّى اللّه عليه وسلّم النذارة ، افتتح سبحانه هذه السورة بأن هذا القرآن رحمة لمن كان له علم وله قوة توجب له القيام فيما ينفعه ، وكرر الوصف بالرحمة في صفة العموم وصفة الخصوص إشارة إلى أن أكثر الأمة مرحوم ، وأعلم أن الكتاب فصل تفصيلا وبين تبيينا لا يضره جدال مجادل ، وكيد مماحك مماحل ، وأنه مغن بعجز الخلق عنه عن اقتراح الآيات فقال مخبرا عن مبتدأ : تَنْزِيلٌ أي بحسب التدريج عظيم مِنَ الرَّحْمنِ أي الذي له الرحمة العامة للكافر والمؤمن بإنزال الكتب وإرسال الرسل الرَّحِيمِ * أي الذي يخص رحمته بالمؤمنين بإلزامهم ما يرضيه عنهم . ولما تشوف السامع إلى بيان هذا التنزيل المفرق بالتدريج ، بين أنه مع ذلك حاو لكل خير فقال مبدلا من تنزيل : كِتابٌ أي جامع قاطع غالب . ولما كان الجمع ربما أدى إلى اللبس قال : فُصِّلَتْ أي تفصيل الجوهر آياتُهُ أي بينت بيانا شافيا في اللفظ والمعنى مع كونها مفصلة إلى أنواع من المعاني ، وإلى مقاطع وغايات ترقى جلائل المعاني إلى أعلى النهايات ، حال كونه قُرْآناً أي جامعا مع التفصيل ، وهو مع الجمع محفوظ بما تؤديه مادة « قرا » من معنى الإمساك ، وهو مع جمع اللفظ وضبطه وحفظه وربطه منشور اللواء منتشر المعاني لا إلى حد ، ولا نهاية وعد ، بل كلما دقق النظر جل المفهوم ، ولذلك قال تعالى : عَرَبِيًّا لأن لسان العرب أوسع الألسن ساحة ، وأعمقها عمقا وأغمرها باحة ، وأرفعها بناء وأفصحها لفظا ، وأبينها معنى وأجلها في النفوس وقعا ، قال الحرالي : هو قرآن لجمعه ، فرقان لتفصيله ، ذكر لتنبيهه على ما في الفطر والجبلات ، وجوده حكيم لإنبائه الاقتضاءات الحكمية ، مجيد لإقامته قسطاس العدل ، عربي لبيانه عن كل شيء ، كما قال تعالى في سوره أحسن القصص ، وتفصيل كل شيء مبين لمحوه الكفر بما أبان من إحاطة أمر اللّه ، محفوظ لإحاطته حيث لم يختص فيقبل العدول عن سنن . ولما كان لا يظهر إلا لمن له قابلية ذلك ، وأدمن اللزوم ذلا للأعتاب ، والقرع خضوعا وحبا للأبواب ، قال معلقا ب « فُصِّلَتْ أو « تَنْزِيلٌ » أو « الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ » : لِقَوْمٍ أي ناس فيهم قوة الإدراك لما يحاولونه يَعْلَمُونَ * أي فيهم قابلية العلم وتجدد الفهم